حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت مسافراً. وفي يوم من الأيام. جلست مع قوم من الأقوام. وإذا رجل يسأل آخر :كيف تمكنت من تحصيل العلم؟ والرجل الآخر يجيبه، قال: طلبت العلم فوجدته صعب المنال. كأنه في قمم الجبال. ليس كالفريسة يصطاد بالمهارة. ولا كالأموال يحصل بالشطارة. وليس بالصدفة أوالسرعة أو يقسم بالقرعة. وليس كالفروسية يضبط الفرس فيه باللجام. كما أنه لا يورث عن الآباء و الأجداد والأعمام. بل إذا أردت العلم كما فعلت أنا. فعليك أن تتحمل في سبيله. وأن تجلس في الأماكن التي لا تطاق. وتربط بطنك بالحجر. وتتحمل الضجر. وتركب الخطر. وتدمن السهر والسفر وإطالة النظر وإعمال الفكر. فالعلم كالزرع لا ينمو إلا بتعهد الغرس ولا يزرع إلا في تربة خصبة هي النفس. ولا يثمر إلا في مكان عظيم القدر؛ هو الصدر. ثم يصبح في العقول المتعمقة أفكاراً دقيقة كالطيور المحلقة والثمار المعلقة. تحتاج إلي الحفظ. عن طريق اللفظ. وتروج سوقها بالمذاكرة. وتزدهر وتتوالد بالمناظرة. من ثم ينبغي أن يحفظ العلم في الأرواح. ويخزن في القلوب. وتكحل به العيون. وينفق عليه العيش. ويستعان علي بطلب التوفيق. قال عيسي بن هشام: فلما سمعت هذا الكلام انشرح له صدري. وتغلغل في قلبي وعقلي. وتغي له سائر أمري. فقلت يا فتى من أين مطلع هذه الشمس فأنشأ يقول: إسكندريّةُ داري ..... ولو قَرَّ فيها قراري لكن بالشام لَيْلِي .....وبالعـــراق نَهاري . بديع الزمان الهمزاني
اقتباسات أخرى للمؤلف